سورة (الدخان) هي السورة الرابعة والأربعون بحسب ترتيب المصحف العثماني، وهي السورة الرابعة والستون بحسب ترتيب النزول، وهي السورة الخامسة من (الحواميم) السبع. نزلت بعد سورة الزخرف، وقبل سورة الجاثية في مكانها هذا. وهي مكية كلها في قول الجمهور، قال ابن عطية: "هي مكية، لا أحفظ خلافاً في شيء منها".

تسميتها

تسمى بسورة الدخان وسورة (حم الدخان) وهما بمنزلة اسم واحد؛ لأن كلمة {حم} غير خاصة بهذه السورة، فلا تعد عَلَماً لها؛ ولذلك لم يعدها السيوطي في "الإتقان" في عِداد السور ذوات أكثر من اسم. وسميت في المصاحف وفي كتب السنة سورة (الدخان).

ووجه تسميتها بـ (الدخان) وقوع لفظ الدخان فيها في قوله سبحانه: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} (الدخان:10)، المراد به آية من آيات الله، أيد الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فلذلك سميت به اهتماماً بشأنه، وإن كان لفظ (الدخان) بمعنى آخر قد وقع في سورة (فصلت) في قوله عز شأنه: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} (فصلت:11).


مقاصدها

يكاد سياق السورة أن يكون كله وحدة متماسكة، ذات محور واحد، تُشَدُّ إليه خيوطها جميعاً. سواء في ذلك القصة، ومشهد القيامة، ومصارع الغابرين، والمشهد الكوني، والحديث المباشر عن قضية التوحيد والبعث والرسالة، فكلها وسائل ومؤثرات لإيقاظ القلب البشري، واستجاشته لاستقبال حقيقة الإيمان حية نابضة، كما يبثها هذا القرآن في القلوب.

وقد لخص الشهيد سيد قطب رحمه الله مقاصد هذه السورة بقوله: "إنها سورة تهجم على القلب البشري من مطلعها إلى ختامها، في إيقاع سريع متواصل؛ تهجم عليه بإيقاعها، كما تهجم عليه بصورها وظلالها المتنوعة المتحدة في سمة العنف والتتابع، وتطوف به في عوالم شتى بين السماء والأرض، والدنيا والآخرة، والجحيم والجنة، والماضي والحاضر، والغيب والشهادة، والموت والحياة، وسنن الخلق ونواميس الوجود...فهي -على قصرها نسيباً- رحلة ضخمة في عالم الغيب وعالم الشهود".

ويمكن تفصيل مقاصد هذه السورة وفق التالي:

- تبدأ السورة بالحديث عن القرآن وتنزيله في ليلة مباركة، فيها يفرق كل أمر حكيم، رحمة من الله بالعباد، وإنذاراً لهم وتحذيراً. وقد جاء هذا الحديث مقروناً ببيان بعض صفات الله الجليلة وأسمائه الحسنى، التي هي من أمهات القاعدة الإيمانية.

- تعريف للناس بربهم، رب السماوات والأرض وما بينهما، وإثبات لوحدانيته، وهو المحيي المميت رب الأولين والآخرين.

- بيان فضل الليلة التي أُنزل فيها القرآن، أي ابتدئ إنزاله، وهي ليلة القدر. وذكر جملة من دلائل الوحدانية، وتأييد الله من آمنوا بالرسل.

- الحديث عن القرآن وموقف الكافرين منه إبان التنزيل، وإصرارهم على الشك في القرآن، وتلهِّيهم لاعبين بأمور دنياهم، وتحذيرهم من عقوبات تلجئهم إلى الوعد بالإيمان، إذا كشف الله عنهم العذاب، لكنهم لا يَفون بوعدهم، بل ينقضونه، ويتمادون في غيهم، وأخيراً ينذرهم الله بأن يبطش بهم بطشة كبرى منتقماً منهم.

- بيان أن المعرضين عن تدبر القرآن ألهاهم الاستهزاء واللمز عن التدبر، فحق عليهم دعاء الرسول بعذاب الجوع؛ إيقاظاً لبصائرهم بالأدلة الحسية حين لم تنجع فيهم الدلائل العقلية؛ ليعلموا أن إجابة الله دعاء رسوله صلى الله عليه وسلم دليل على أنه أرسله ليبلغ عنه مراده.

- ضَرْبُ المثل بأمم قد خلت، عصوا رسل الله إليهم، فحلَّ بهم من العقاب ما من شأنه أن يكون عظة لمن بعدهم؛ تفصيلاً بقوم فرعون مع موسى ومؤمني قومه، ودون التفصيل بقوم تُبَّع، وإجمالاً وتعميماً بالذين من قبل هؤلاء.

- بيان موجز عن بني إسرائيل بعد أن أنجاهم الله من العذاب المهين، الذي كانون يعانونه في مصر مستَعْبَدين.

- بيان موقف مشركي مكة إبان التنزيل من إنكار الآخرة والبعث، ومجادلتهم بالإقناع وبالإنذار بيوم الدين.

- تضمنت السورة حديثاً عن شجرة الزقوم في الجحيم، التي يكون منها طعام الأثيم، وعرض مشهدين من مشاهد يوم القيامة:

الأول: يتضمن بيان صنف من أصناف عذاب الكافرين المجرمين في الجحيم.

الثاني: يتضمن بيان بعض نعيم المتقين في جنات النعيم في مقابل بيان بعض عذاب الكافرين الجاحدين.

- خطاب من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بشأن القرآن الكريم، وتيسيره بلسانه العربي المبين، وإلماح ببشارته بأنه منصور بنصر الله له، وبأن المشركين المعاندين مخذولون، وبأن الله سينتقم منهم يوم الدين {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم} (الشعراء:88-89).