السؤال:
هل يقبل الله توبة الذي سبه، وسب رسوله، أكثر من مرة، بدون إقامة الحد؟ وما الدليل على ذلك؟

الفتوى:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:
فإن كان المراد بالسؤال: أحكام الدنيا، ورفع عقوبة السابِّ، فهذا محل خلاف بين أهل العلم.
وأما إن كان المراد بالسؤال: حكم الآخرة، وانتفاع التائب بتوبته عند الله، ونجاته بها يوم القيامة، فهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، وراجعي في تفصيل ذلك، الفتاوى التالية أرقامها: 174601، 185661، 231739، 329272، 126044، 117954.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول على شاتم الرسول: كل من كفر بعد إسلامه، فإن توبته تقبل؛ لقوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ}، إلى قوله: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} الآية، ولما تقدم من الأدلة الدالة على قبول توبة المرتد. وأيضًا فعموم قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}، وقوله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يجبّ ما قبله، والإسلام يهدم ما كان قبله" رواه مسلم. يوجب أن من أسلم غفر له كل ما مضى.
وأيضًا فإن المنافقين الذين نزل فيهم قوله تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُم}، إلى قوله: {لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}، وقد قيل فيهم: {إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ}، مع أن هؤلاء قد آذوه بألسنتهم وأيديهم أيضًا، ثم العفو مرجو لهم، وإنما يرجى العفو مع التوبة، فعلم أن توبتهم مقبولة، ومن عفي عنه لم يعذب في الدنيا، ولا في الآخرة.
وأيضًا فقوله سبحانه وتعالى: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} إلى قوله: {فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً} الآية، فإنها تدل على أن المنافق إذا كفر بعد إسلامه، ثم تاب، لم يعذب عذابًا أليمًا في الدنيا، ولا في الآخرة، والقتل عذاب أليم، فعلم أنه لا يقتل. اهـ.
وقال بعدها: حق الأنبياء تابع لحق الله، وإنما عظمت الوقيعة في أعراضهم؛ لما يتضمن ذلك من الكفر والوقيعة في دين الله، وكتابه، ورسالته، فإذا تبعت حق الله في الوجوب تبعته في السقوط؛ لئلا تكون أعظم منه، ومعلوم أن الكافر تصح توبته من حقوق الله، فكذلك من حقوق الأنبياء المتعلقة بنبوتهم، بخلاف التوبة من الحقوق التي تجب للناس بعضهم على بعض. اهـ.
والله أعلم.