السؤال:
مشايخنا الكرام: أودعنا أموالنا عند شخص في اليمن، يتصف بالأمانة والخلق الرفيع، بشهادة بعض الإخوة، وهو قاض في نفس الوقت، وكان الغرض من الإيداع هو التجارة في اليمن، ثم لما اشتدت الأزمة والحروب في اليمن اضطر صاحبنا القاضي (التاجر) لفتح شركة في الخارج، فقمنا بسحب جزء من أموالنا في شركة الداخل لمشروع تجاري في شركة الخارج، وأضفنا عليها بعض المال أيضًا، وهذا المال الذي أودعناه للتجارة كان بالعملة اليمنية، وكانت في ذلك الوقت متعافية نوعًا ما، وأما الآن وبعد مرور سنة ونصف إلى سنتين من بدء المشروع الخارجي أصبحت العملة اليمنية هابطة جدًّا، فقد كان في بداية المشروع الريال السعودي مثلًا أو القطري يعادل 70 ريالًا يمنيًّا، وأما الآن فقد هبطت إلى 128 ريالًا.السؤال: في حال أردت سحب أموالي، هل ليس لي إلا ذلك المال الذي تم إيداعه في المشروع الخارجي قبل سنتين، وهو مثلًا 3 مليون ريال يمني؟ ولو حصل هذا لحدثت خسارة كبيرة بمقدار 19 ألف سعودي، فبدلًا من أن نربح في التجارة إذا بنا نخسر بسبب هبوط العملة.السؤال الثاني: هل لنا -باعتبار أنها شركة- أسهم فيها؟ بمعنى أن لكل فرد مساهم بقدر من المال أسهمًا من الشركة؛ سواء ربحت أم خسرت، وعند خروجه كيف سيكون الحساب؟ هل سيحسب له ما تم إيداعه في بداية المشروع؟ أم كيف نحسب المال الذي يخرج به عند إرادة الخروج من الشركة؟

الفتوى:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:
فالمعاملة حسب ما ذكر في السؤال مضاربة؛ لأن الأموال دفعت ليستثمرها من دفعت إليه مقابل نسبة من الربح، وإذا كان له هو مال يستثمره مع أموالكم، فهي شركة ومضاربة، قال الخرقي في مختصره: إن اشترك بدنان بمال أحدهما، أو بدنان بمال غيرهما، أو بدن ومال، أو مالان وبدن صاحب أحدهما، أو بدنان بماليهما - تساوى المال أو اختلف - فكل ذلك جائز. اهـ.
وكل من الشركة والمضاربة من العقود الجائزة التي يصح فسخها بإرادة منفردة من أيٍّ من طرفيها، وصاحب رأس المال إذا سحب ماله من المضاربة، فقد فسخها بذلك، جاء في (الموسوعة الفقهية): فسخ المضاربة يكون من العاقدين بإرادتهما، أو من أحدهما بإرادته المنفردة، ويحصل الفسخ بقول: فسخت المضاربة، أو رفعتها، أو أبطلتها، أو بقول المالك للعامل: لا تتصرف بعد هذا، ونحو ذلك. وقد يحدث بالفعل، كاسترجاع رب المال رأس مال المضاربة كله، وغير ذلك. وعقد المضاربة من العقود الجائزة غير اللازمة، والأصل فيه أنه يجوز لكل من رب المال والمضارب فسخ العقد بإرادته المنفردة متى شاء، وعلى هذا اتفق الفقهاء في الجملة. اهـ.
والفسخ إن حصل والمال ناضٌّ فلا إشكال، فما زاد على رأس المال، قسم بينهما على ما اشترطاه، وإن حصل الفسخ ولم ينض المال، فيمكن أن يُقوِّم المالَ أهلُ الخبرة ليحصل التخارج على التنضيض الحكمي، وإلا فيمكن أن يتفقا على بيع العروض أو قسمها، على تفصيل بين أهل العلم في ذلك، قال ابن قدامة في المغني: المضاربة من العقود الجائزة، تنفسخ بفسخ أحدهما، أيهما كان ... ولا فرق بين ما قبل التصرف وبعده. فإذا انفسخت والمال ناض لا ربح فيه، أخذه ربه، وإن كان فيه ربح، قسما الربح على ما شرطاه. وإن انفسخت والمال عرض، فاتفقا على بيعه أو قسمه، جاز؛ لأن الحق لهما، لا يعدوهما. وإن طلب العامل البيع، وأبى رب المال، وقد ظهر في المال ربح، أجبر رب المال على البيع. وهو قول إسحاق، والثوري؛ لأن حق العامل في الربح، ولا يظهر إلا بالبيع. وإن لم يظهر ربح، لم يجبر؛ لأنه لا حق له فيه، وقد رضيه مالكه كذلك، فلم يجبر على بيعه، وهذا ظاهر مذهب الشافعي. اهـ.
وأما مسألة اختلاف العملات وقيمها، فما دمتم أودعتم المال بالعملة اليمنية، فلا بد من اعتبارها هي نفسها في حساب رأس المال؛ لكي يُعرف مقدار الربح أو الخسارة، فيُقوَّم بها غيرُها من العملات أو العروض؛ لأن حق العامل لا يعرف إلا بذلك، ولا سيما إن كان يضارب لأكثر من شخص بحساب الأسهم، فحتى لو تراضى الطرفان على قسمة المال بعملته التي صار إليها غير العملة اليمينة، فلا بد من تقويمها باليمنية؛ كي يميز ما زاد على رأس المال، فيعرف الربح ويقسم؛ ولذلك قال البهوتي في شرح منتهى الإرادات: (وحيث فسخت) المضاربة (والمال عرض، أو دراهم وكان دنانير، أو عكسه) بأن كان دنانير وأصله دراهم، (فرضي ربه بأخذه) أي: مال المضاربة على صفته التي هو عليها، (قومه) أي: مال المضاربة، (ودفع حصته) أي: العامل من الربح الذي ظهر بتقويمه. اهـ.
فالربح لا يظهر إلا بالتقويم بعملة رأس المال ضرورة، قال داماد الحنفي في مجمع الأنهر: (وإن كان) مال المضاربة (نقدًا من جنس رأس المال) أي: مال عقد المضاربة حين أعلمه بعزله (لا يتصرف) المضارب (فيه) أي: النقد لعدم الحاجة إليه، وهو معزول (وإن) كان المال (من غير جنسه) أي: غير جنس رأس المال، (فله) أي: للمضارب (تبديله بجنسه) أي: إذا كان رأس المال دراهم وهو معزول ومعه دنانير له بيعها بالدراهم (استحسانا) لأن الواجب للمضارب أن يرد مثل رأس المال، وهو يتحقق برد جنسه، فكان له تبديله بجنسه ضرورة. اهـ.
وقال علي حيدر في شرح مجلة الأحكام: المقصود من النقود: النقود من جنس رأس المال. مثلًا لو كان رأس مال المضاربة مائة دينار، وتصرف فيه المضارب حينًا وعزله رب المال أثناء وجود رأس المال والربح بيده ذهبًا وأوصل خبر العزل إليه، فليس للمضارب بعد ذلك البيع والشراء في تلك الأموال. أما إذا كانت النقود التي في يده فضة، فله بعد العزل التصرف فيها بتبديلها ذهبًا؛ لأن الواجب على المضارب أن يرد لرب المال، وهذا يكون برد الجنس، فأصبح من الضروري تبديل الفضة بالذهب. اهـ.
وجاء في الشرح الكبير للرافعي الشافعي: وإن رد إلى نقد ليس من جنس رأس المال، لزمه الرد إلى جنسه. اهـ.
والتقويم إنما يكون بسعر يوم القسمة، لا يوم الإيداع، جاء في (المبسوط) للسرخسي: (ولو أن رجلًا أعطى رجلًا دنانير مضاربة، فعمل بها، ثم أرادا القسمة، كان لرب المال أن يستوفي دنانير، أو يأخذ من المال بقيمتها يوم يقتسمون)؛ لأن المضارب شريك في الربح، ولا يظهر الربح إلا بعد وصول كمال رأس المال إلى رب المال، إما باعتبار العين، أو باعتبار القيمة. وقد بينا في إظهار الربح أن المعتبر قيمة رأس المال في وقت القسمة. اهـ.
ولمزيد من الإيضاح يمكن الاطلاع على الفتاوى التالية: 77280، 227050، 345319، 71838.
ولا يخفى أن تفاوت سعر العملة أو تضخمها يؤثر على الطرفين معًا، لا على أحدهما دون الآخر، والتقويم العادل للعروض وللعملات بسعر يوم القسمة يحقق العدل بينهما، وانظر الفتويين: 216724، 323959.
وأما السؤال الثاني فجوابه أن لكل مشارك في هذه الشركة حصة من الأسهم بقدر رأس ماله عند دخوله فيها، وبقدر هذه الحصة يستحق نسبة من الربح، أو يتحمل جزءًا من الخسارة -إن حصلت-، فإذا أراد أحد المساهمين أن يخرج من الشركة، استحق من قيمتها عند خروجه بقدر حصته من الأسهم، فلو كان له مثلًا20 % من الأسهم، فإن له خمس قيمة الشركة وقت خروجه، وهو يوم القسمة الذي أشرنا إليه من قبل.
والله أعلم.